تعتبر الإدارة المالية في شركات المقاولات منظومة معقدة لا تقتصر على تسجيل الإيرادات والمصروفات فحسب، بل يمتد دورها ليشمل إدارة ومتابعة الموردين، المشروعات، العُهَد، ومقاولي الباطن، وكل ما يرتبط بهم من معاملات مالية أو التزامات، ولذلك يتطلب العمل في هذا القطاع الاعتماد على برنامج محاسبي متخصص لضمان دقة البيانات وتجنب وقوع فوضى محققة.
وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو بديهيًّا، إلا أننا نجد بعض الشركات (خاصة حديثة النشأة) تلجأ إلى استخدام الإكسيل باعتباره الأداة الأكثر شيوعًا، ولكن يبقى التساؤل: هل الإكسيل هو الأداة المناسبة لإدارة الشؤون المالية في المقاولات؟
في هذا المقال، نستعرض أهم المشكلات التي تواجه شركات المقاولات عند استغنائها عن البرامج المحاسبية المتخصصة واستبدالها بالإكسيل، مع توضيح دوره ومحدوديته ومدى إمكانية الاعتماد عليه في 2026.
ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه شركات المقاولات؟
تواجه شركات المقاولات تحديات مستمرة نتيجة ارتفاع مستوى التعقيد في الإدارة المالية وفي بيئة العمل. ومن أبرز هذه التحديات ما يلي:
1- التواصل الفعال والسريع بين الأقسام المختلفة
يعد التواصل الفعال بين الأقسام المختلفة (الموقع، الإدارة، والمكتب الفني) من أهم تحديات الإدارة في شركات المقاولات، إذ أن وجود أي خلل في عملية التواصل قد يعرض الشركة لخسائر مباشرة؛ فعلى سبيل المثال: قد يؤدي التأخير في نقل المعلومات إلى البطء في اتخاذ القرارات؛ وهو ما يتسبب في خسائر مالية للشركة أو تعطل سير العمل، كما يؤدي وجود خلل في التواصل داخل المشاريع إلى سوء فهم حتمي قد يؤول إلى أخطاء جسيمة ومكلفة.
2- الالتزام بالجداول الزمنية ومواعيد التسليم
يعتبر الالتزام بمواعيد التسليم من أهم العوامل التي تعزز ثقة العملاء في شركات المقاولات؛ لذا فإن أي تقصير في الالتزام بالجداول الزمنية قد يعرض الشركة لخطر فقدان العملاء المستقبليين، وذلك إلى جانب تكبد غرامات التأخير المنصوص عليها في العقود المبرمة مع العملاء الحاليين.
3- إدارة المشتريات والمخزون
قد يؤدي نقص المواد الخام أو الارتفاع المفاجئ في أسعارها إلى تعطيل سير العمل أو حتى توقفه بالكامل؛ لذلك تعد الإدارة الجيدة للمشتريات والمخزون من أخطر التحديات التي تواجه شركة المقاولات؛ لما لها من تأثير مباشر على سير المشروع وتكلفته النهائية.
4- ضبط الميزانية وحساب التكاليف
تحتاج شركات المقاولات إلى نظام دقيق لضبط الميزانيات، وحساب التكاليف الفعلية، وتتبع المصروفات بشكل مستمر؛ وذلك حتى لا ينحسر الربح ويتحول إلى خسارة عند نهاية أي مشروع.
كانت هذه بعض التحديات التي تواجه شركات المقاولات، والتي تفصح بشدة عن ضرورة استخدام نظام محاسبي كي تستطيع الشركات مواجهتها، ولكن ماذا سيحدث إذا استغنت شركات المقاولات عن البرامج المحاسبية؟
مخاطر الاستغناء عن البرامج المحاسبية المتخصصة في شركات المقاولات:
إن استغناء شركات المقاولات عن البرامج المحاسبية يعد أمرًا في غاية الخطورة؛ حيث يؤدي إلى فوضى تطول جميع نواحي الشركة، ومن أبرز هذه المخاطر:
- الاعتماد على التسجيل اليدوي للمصروفات والمستخلصات؛ مما يزيد من احتمالية حدوث الأخطاء وتعطل سير العمل.
- ضعف أو انعدام الرقابة على المواد الخام واحتياطيات المخازن.
- ضعف الرقابة على تكاليف المشروعات والمكاتب؛ مما يؤدي إلى استنزاف ميزانية الشركة، ضعف السيولة، وتآكل الأرباح.
- بطء اتخاذ القرارات وزيادة احتمالية الخطأ؛ نظرًا لضعف الاتصال بين الإدارة وباقي الأقسام.
- تعرض الشركة لمخاطر ضريبية وقانونية.
- تأخر تسليم المشروعات وعدم الالتزام بالمواعيد المتفق عليها.
وفي النهاية، نجد أن هذه الفوضى تهدد استمرارية الشركة وقدرتها التنافسية؛ لذا، فإن استخدام برنامج محاسبي متخصص هو أمر مسلَّم به، ولكن يبقى السؤال: أي البرامج المحاسبية المتاحة هوالأنسب لشركات المقاولات؟
الإكسيل وبرامج المحاسبة المتخصصة:
يميل بعض أصحاب الأعمال، خاصة في الشركات الناشئة حديثًا، إلى استخدام برنامج الإكسيل في إدارة الشؤون المالية لشركاتهم، وقد يبدو هذا الخيار بديهيًّا؛ نظرًا لشيوع البرنامج منذ زمن طويل وبالتالي تُعرف جميع خباياه، فضلًا عن كونه سهل الاستخدام. بالإضافة إلى أن العديد من أصحاب الأعمال يعتبرونه برنامجًا محاسبيًّا وهذا بالتأكيد خطأ شائع؛ إذ ان الإكسيل قد يتشابه ظاهريًّا مع البرامج المحاسبية المتخصصة ولكن الفارق بينهما كبير من حيث الوظائف والإمكانات؛ وهو ما نوضحه فيما يلي:
1- التخصص
كما هو الحال في مختلف المجالات، تكون البرامج المتخصصة في شيء ما أفضل كثيرًا من البرامج العامة؛ فالبرامج العامة قد تكون كافية في المراحل الأولى، ولكن عند التعمق والتوسع في النشاط فإنها تصبح غير كافية، وعلى هذا الأساس، تمتاز البرامج المحاسبية بتخصصها في خدمة أنشطة معينة مثل نشاط المقاولات، وذلك على عكس الإكسيل الذي يعد أداة عامة تستخدم في الحسابات بدون مراعاة طبيعة نشاط بعينه.
ومن هنا، يمكننا أن نستنتج أن كلا الخيارين قد يكون مناسبًا للإدارة المالية ولكن في مراحل مختلفة من عمر الشركة وحسب حجم أعمالها؛ فقد يستخدم الإكسيل كنقطة بداية، ولكن عند نمو الشركة وزيادة المشروعات وتعقيد العمليات، يصبح استخدام برنامج محاسبي متخصص أمرًا ضروريًا لاستمرار الشركة.
يتيح لك استخدام برنامج محاسبي إعداد التقارير المالية، وإدارة المخزون، وتتبع التكاليف، وغيرها من العمليات المتخصصة بسهولة وسرعة؛ ذلك لأن مطوري هذه البرامج يدركون احتياجات مديري الأعمال في هذا القطاع، وبالتالي توفر هذا البرامج جميع المزايا والوظائف التي قد تحتاجها، وذلك بعكس الإكسيل؛ فهو برنامج عام غير مخصص للمقاولات ولذلك فإنه يتطلب جهدًا ووقتًا اكبر لتنفيذ العمليات نفسها.
2- الوقت، الدقة، وسهولة الاستخدام
الوقت الضائع هو مال مهدور، قرارات غير متخذة، وخسارة غير مرئية؛ لذا يضمن لك استخدام برنامج محاسبي متخصص ربطًا متكاملًا بين جميع عناصر الشركة، مثل المشروعات، المخازن، المصروفات، المستخلصات، وغير ذلك؛ وبالتالي تكون جميع البيانات مترابطة ومحدثة لحظيًا، وبالتالي يمكنك معرفة حدوث أي تغيير بشكل لحظي، مما يساعد على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة، ومتابعة التكاليف والأرباح قبل فوات الأوان، وهذا على عكس الإكسيل، والذي يعتمد على ملفات منفصلة للمشاريع؛ مما يجعلك تضيع طويلًا بين الأرقام وهذا بالطبع يؤثر على اتخاذك للقرارات الصائبة في الوقت الصحيح وبالتالي تزيد خسارتك المادية.
توفر البرامج المحاسبية تحديثات لحظية من خلال أتمتة جميع العمليات المالية والإدارية للشركة؛ وهو ما يعد الخاصية الأهم في هذه البرامج حيث تُجنِّب أصحاب الأعمال خسارة الأموال الناتجة عن الأخطاء المحاسبية الخطيرة التي تحدث عند إدخال البيانات يدويّا، وهو الأمر الذي يفتقر إليه برنامج إكسيل حيث يتم فيه إدخال البيانات يدويًّا إلا إذا تم الاستعانة بأداة خارجية وهذا – في أغلب الأحيان – غير آمن بسبب حساسية البيانات.
ولا تفرق برامج المحاسبة بين المبتدئين والخبراء، لأنها توفر واجهة مستخدم سهلة لا تتطلب معرفة تقنية سابقة أو معرفة حسابية معقدة (على عكس متطلبات الإكسيل)، كما تعرض هذه البرامج الوضع المالي الحالي في واجهة المستخدم لحظيًّا، إلى جانب أدوات تحليل وفهم البيانات؛ مما يوفر الوقت ويدعم عملية اتخاذ القرار.
ونستنتج مما سبق، أن أتمتة العمليات المحاسبية توفر الوقت والجهد الكبير الضائع في القيام بمختلف العمليات يدويًا، وهو ما يضمن الدقة لتجنب أكبر قدر من الأخطاء. يمكنك استخدام الإكسيل في البداية، ولكن إذا تكررت المهام أو تعقدت، فمن الأفضل استخدام نظام محاسبي أوتوماتيكي.
3- التكلفة
تعد التكلفة من أهم العوامل التي تؤثر على قرار صاحب العمل فيما يتعلق باختيار الأداة المناسبة، ويتوفر برنامج الإكسيل (وحده أو مع باقي تطبيقات مايكروسوفت) إما عن طريق شراء تراخيص دائمة أو الاشتراك السنوي الذي يدعم استخدام السحابة (OneDrive)، وتأتي البرامج المحاسبية أيضًا بنظامي الاشتراك والشراء ولكن الأكثر شيوعًا هو الاشتراك السنوي أو الشهري نظرًا لكونه الأقل تكلفة، ومن حيث السعر، نجد أن الإكسيل يتفوق هذه المرة على البرامج المحاسبية.
ولكن يبقى السؤال: هل اختيار السعر الأوفر هو دائمًا القرار الصائب؟ تعتمد الإجابة مرة أخرى على حجم الشركة وميزانيتها وعدد مشروعاتها. قد يكون الإكسيل خيارًا أوفر ولكن كما ذكرنا سابقًا، يمكن أن يتسبب هذا الخيار في ضياع الوقت والجهد والمال وزيادة الأخطاء والأعباء في الشركات الكبيرة. لكن إذا كانت الشركة في بدايتها وميزانيتها وأعمالها محدودين، فإن الإكسيل يعد خيارًا جيدًا في هذه الظروف.
لماذا الاعتماد على الاكسيل لم يعد مجديًا؟
مع زيادة حجم الأعمال وتعقد العمليات المالية، لم يعد الإكسيل قادرًا على تلبية احتياجات الشركات، خاصةً الشركات الكبيرة، والشركات التي تعتمد على نظام المشروعات مثل شركات المقاولات، وقد ينجح الاعتماد على الإكسيل في المراحل الأولى، ولكن مع الوقت، فإنه يتحول إلى عبء تشغيلي ومصدرًا للمخاطر؛ وذلك نظرًا للعوامل الآتية:
1. نسبة الأخطاء
كما تناولنا سابقًا، يعتمد استخدام الإكسيل على إدخال البيانات يدويًّا وبالتالي تكون الجداول أكثر عرضة للأخطاء، فقد يتسبب خطأ صغير في خسائر مالية فادحة، عوضًا عن الوقت المهدور في عملية إدخال البيانات. علاوة على ذلك، يصعب اكتشاف الأخطاء في ورقة العمل في كثير من الأحيان، ولا سيما في حالة عمل أكثر من فرد على نفس الملف. وكلما ازدادت البيانات، زادت احتمالية حدوث الأخطاء وصعوبة اكتشافها.
2. عدم الأمان
لا يوفر الإكسل صلاحيات حقيقية على الملفات، حيث يمكن لأي شخص أن يرى الملفات أو يعدلها، وبالتالي من السهل نسخ أي ملف أو العبث به، كما أنه يفتقر لوجود سجل يحفظ التعديلات ويربطها بمن أجراها. والجدير بالذكر أنه يمكن وضع كلمة سر على ملف الإكسل ولكنها وسيلة أمان غير كافية دون وجود صلاحيات للأفراد أو سجل يتتبع أي تغيير؛ فأي شخص يمتلك ملف الإكسيل أو يعرف كلمة السر، يستطيع الاطلاع على أي جزء في الملف وربما التعديل عليه، حتى وإن لم يكن ذلك الجزء من اختصاصه.
3. فقدان البيانات
يتطلب حفظ أي تعديل في الإكسيل إنشاء نسخ متعددة من الملف، وبالطبع إذا كانت البيانات كبيرة والعمليات الحسابية عليها كثيرة، فمن الصعب التمييز بين النسخ المعدلة والتنقل بينها؛ وبالتالي تزداد احتمالية فقدان بيانات مهمة للأبد، كما أن الإكسيل يوفر ميزة الحفظ التلقائي في الإصدارات الحديثة منه ولكن يجب على المستخدم تذكر تفعيل هذه الميزة، أما إذا كنت تستخدم إصدار قديم، فعليك تذكر الحفظ الدوري للبيانات.
4. صعوبة التقارير
كما تناولنا سابقًا، لا يوفر الإكسيل تحديثات لحظية بما أن كل العمليات تتم بشكل يدوي مما يزيد الأخطاء كما يزيد من وقت إدخال البيانات والتدقيق فيها؛ لذا نجد أن عملية إنشاء التقارير على الإكسيل تكون صعبة وبطيئة ومعرضة للأخطاء، الأمر الذي يعزز فكرة أن الإكسيل مفيد فقط للشركات البسيطة حيث تظهر عدم مرونته مع أول تقرير متقدم تحاول إنشاءه.
أفضل برنامج محاسبي لشركات المقاولات
يعد برنامج أكفليكس لمحاسبة المقاولات نظامًا سحابيًا متكاملًا ذو واجهة استخدام سهلة، يغطي دورة العمل بشكل كامل، بدءًا من المكتب الفني، مرورًا بتخطيط وتسعير المشروعات، إدارة عقود المالكين ومقاولي الباطن، إعداد المستخلصات ذاتيًا، وحتى إرسال الفواتير الإلكترونية وإعداد التقارير الختامية.
ويمتلك البرنامج إمكانات متقدمة في تتبع تكاليف المشروعات على مستوى النشاط والبند، مع تحليل الانحرافات الزمنية والانحرافات في التكاليف بين التقديرية والفعلية؛ مما يتيح اتخاذ قرارات مستنيرة مبنية على بيانات واقعية، ويساهم البرنامج في توفير الوقت والجهد من خلال ربط الوظائف ببعضها البعض وأتمتة العمليات المتكررة، وهو معتمد من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (زاتكا) ومن مصلحة الضرائب المصرية، ويتميز بمرونة عالية في التخصيص ليلائم كافة شركات المقاولات مهما اختلفت المتطلبات وزادات حجم الأعمال.
الخلاصة
تعد شركات المقاولات من أكثر القطاعات تعقيدًا في إدارة الشؤون المالية، وذلك بسبب كثرة المشاريع وتداخلها، وتعقد إدارة المخازن والمواد الخام، والتعامل مع المقاولين من الباطن، فضلًا عن الحاجة المستمرة لتتبع المصروفات. وبسبب هذا التعقيد، أصبح من الضروري لأي شركة مقاولات الاعتماد على نظام محاسبي متخصص يضمن لها الاستمرارية؛ إذ أن الفوضى التي تنتج عن غياب الأنظمة المحاسبية الجيدة أصبحت مسألة وجودية لا يمكن تجاهلها بالنسبة لهذه الشركات.
ورغم أن فكرة استخدام الإكسيل قد تبدو فكرة منطقية نظرًا لشيوع وسهولة استخدامه ظاهريًا، إلا أن باطن الأمور يختلف كثيرًا، لأن الإكسيل برنامج عام غير مخصص للمحاسبة، وبالأخص لمجال المقاولات الذي يحتاج إلى نظام صلب يمكن الاعتماد عليه، بالإضافة إلى أنه يفتقر في جوهره إلى أساسيات الإدارة المالية. كما يفتقر إلى المرونة والأمان، فإنه يعتمد على الإدخال اليدوي للبيانات فتزيد الأخطاء ويضيع الوقت.
ولا يوفر الإكسيل إمكانية تحديد الصلاحيات للمستخدمين ولا يتتبع أي تعديل في الملفات، فيزداد خطر ضياع البيانات ويضيع المستخدم بين النسخ المتعددة. وبالتالي، يمكننا استنتاج مدى صعوبة إعداد التقارير المالية واتخاذ القرارات اعتمادًا على الإكسيل. لذلك، إذا كانت شركتك في بدايتها أو إذا كانت ميزانيتها لا تسمح، يصبح الإكسيل حلًّا مؤقتًا، ولكن إذا كنت تنوي الاعتماد على برنامج يتكيف مع توسع الشركة وتخصص المقاولات، فلا بد من استخدام برنامج محاسبي متخصص.